الغزالي

199

إحياء علوم الدين

روي أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] كان يعطى كل من جلس إليه نصيبا من وجهه . وما استصغاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه . حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ، ولطيف مسألته ، وتوجهه للجالس إليه . وكان مجلسه مجلس حياء وتواضع وأمانة . وكان عليه السلام أكثر الناس تبسما وضحكا في وجوه أصحابه ، وتعجبا مما يحدثونه به . وكان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء منهم بفعله ، وتوقيرا له عليه السلام وأما السمع ، فبأن تسمع كلامه متلذذا بسماعه ، ومصدقا به ، ومظهرا للاستبشار به ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادّة ولا منازعة ومداخلة واعتراض ، فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم ، وتجرس سمعك عن سماع ما يكرهون وأما اللسان ، فقد ذكرنا حقوقه فإن القول فيه يطول ، ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم ولا يخاطبهم إلا بما يفقهون وأما اليدان ، فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد وأما الرجلان ، فأن يمشي بهما وراءهم مشي الأتباع لا مشي المتبوعين ، ولا يتقدمهم إلا بقدر ما يقدمونه ، ولا يقرب منهم إلا بقدر ما يقربونه . ويقوم لهم إذا أقبلوا ، ولا يقعد إلا بقعودهم ، ويقعد متواضعا حيث يقعد . ومهماتم الاتحاد خف حمله من هذه الحقوق ، مثل القيام والاعتذار والثناء ، فإنها من حقوق الصحبة ، وفي ضمنها نوع من الأجنبية والتكلف . فإذا تم الاتحاد ، انطوى بساط التكلف بالكلية ، فلا يسلك به إلا مسلك نفسه ، لأن هذه الآداب الظاهرة عنوان آداب الباطن وصفاء القلب : ومهما صفت القلوب استغني عن تكلف إظهار ما فيها . ومن كان نظره إلى صحبة الخلق ، فتارة يعوج وتارة يستقيم . ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ظاهرا وباطنا ، وزين باطنه بالحب لله ولخلقه ، وزين ظاهره بالعبادة لله والخدمة لعباده ، فإنها أعلى أنواع الخدمة لله ، إذ لا وصول إليها إلا بحسن الخلق . ويدرك العبد بحسن خلقه درجة القائم الصائم وزيادة